عفيف الدين التلمساني
46
شرح مواقف النفري
والأرض ، وذلك في مقام الإيمان لا في مقام العرفان ، وأنت تعرف أن لكل مقام مقال ، ولكل مجال رجال . فنعود ونقول : ليس المراد أن يقبح له أن يكتب ما يرد عليه من التعرفات فإنه قد أمره بذلك في موقف آخر وهو قوله : « اكتب ما أتعرف به إليك تكن أثبت لقدمك وأسكن بقلبك » . فلو كان المقصود في هذا التنزل تنقيص نفس الكتابة ، لتناقض القول ، وليس في هذا الكتاب تناقض أصلا ، ومن اعتبر ذلك حقق ما قلت ، فإذن المراد به أن الأمي أقرب إلى تلقي الحقيقة من الكاتب فكيف من اشتغل بعلوم الأفكار المناقضة لعلوم الأذكار . 5 - موقف قد جاء وقتي قوله : ( أوقفني ) : قلت : معناه أشهدني أو هيّأني للشهود . قوله : ( وقال لي : إن لم ترني لم تكن بي ) . قلت : معناه لا تظن أن تحريفي إياك على أن تكون بي لا بك هو مما يدل على أن ذلك من مقدورك بل هو من موهبتي إياك ذلك فإن رؤيتك قيامك بي هو من ثمرات رؤيتي ، ورؤيتي لا تكون بك بل بي ، ومن لم يره لم يكن به ، فرؤية العبد للقيومية هو أن يرى أنه قائم بربه تعالى ، وهو من ثمرات رؤيته تعالى . قوله : ( وقال لي : إن رأيت غيري لم ترني ) . قلت : معناه لم ترني تماما كما قال عليه الصلاة والسلام : « لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد » « 1 » أي لا صلاة كاملة ، وإلا فالصلاة تصح من جار المسجد في بيته ، وقد يكون معناه إن رأيت غيري رؤية منفصلة عن قيوميتي لم ترني لا في القيومية ، ولا في الوحدانية ، وكان حاصله يشير أيضا إلى أن شهود القيومية قصير المدة إذ لا يتجاوز الحق غيره فإن تنفر الظلمة بالذات وهو نوره تعالى وغيره ظلمة ، فإن الظلمة هي عدم النور فهي عدم .
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، باب التأمين ، حديث رقم ( 898 ) [ 1 / 373 ] والبيهقي في سننه في أبواب عدّة منها : باب من التشديد في ترك الجماعة . . . ، حديث رقم ( 4721 ) [ 3 / 57 ] ورواه غيرهما .